أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

( ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) أي ما كان شأنهم ، ولا مقتضى استعدادهم أن يؤمنوا - ذلك لأنهم لا ينظرون في الآيات نظر هداية واعتبار ، وإنما ينظرون إليها نظر العدو إلى من يعاديه ، لا نظر الولي إلى من يعينه ويواليه ، فيخيّل إليهم الوهم أن ما جئتهم به لا يهديهم إلى سواء السبيل ، وإنما تسحر به عقولهم وتسلب به ألبابهم . ( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ) أي لكن إن شاء اللّه إيمان أحد منهم آمن - والمراد أنهم ما داموا على صفاتهم التي هم عليها من اقتراح الآيات فهم لا يؤمنون - لكن إن شاء اللّه أن يزيلها فعل . والخلاصة : إن فقد هؤلاء للاستعداد للإيمان ، جار بحسب مشيئته تعالى ككل ما يجرى في الوجود ، ولو شاء غير ذلك لكان ، ولكنه لا يشاء لأنه تغيير لسنته وتبديل لطباع الإنسان . ( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) أي ولكن أكثر المؤمنين يجهلون عدم إيمانهم عند مجىء الآيات ، لجهلهم سنة اللّه تعالى في عباده وانطباقها على الأفراد والجماعات ، لذلك يتمنى بعض المؤمنين لو يؤتى مقترحو الآيات ما اقترحوا ، ظنّا منهم أن ذلك يكون سبب إيمانهم ، مع أن الآيات لا تلزمهم الإيمان ولا تغيّر طباع البشر في اختيار ما يترجّح لدى كل منهم بحسب ما يؤدّيه إليه فكره وعقله : ولو شاء اللّه لخلق الإيمان في قلوبهم خلقا بحيث لا يكون لهم فيه عمل ولا اختيار - وحينئذ لا يكونون محتاجين إلى الرسل كما أنه لو شاء - جعل الآيات مغيّرة لطبائع البشر وملزمة لهم أن يؤمنوا فيكون الإيمان إلجاء وقسرا ، لا اختيارا وكسبا ، ولكنه لم يشأ ذلك بدليل قوله تعالى : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » . قال ابن عباس كان المستهزءون بالقرآن خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاصي ابن وائل السهمي ، والأسود بن يغوث الزهري ، والأسود بن المطلب ، والحرث بن حنظلة . أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في رهط من أهل مكة وقالوا أرنا الملائكة